محمد بيومي مهران
197
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ويذهب صاحب الظلال إلى أن التحدي إنما كان واضحا في تخيرهم لموسى ، وتبدو كذلك ثقتهم بسحرهم وقدرتهم على الغلبة ، وفي الجانب الآخر تتجلى ثقة موسى عليه السلام ، واستهانته بالتحدي ، « قال ألقوا » فهذه الكلمة الواحدة تبدو فيها قلة المبالاة ، وتلقي ظل الثقة الكامنة وراءها في نفس موسى ، على طريقة القرآن الكريم في إلقاء الظلال بالكلمة المفردة في كثير من الأحايين « 1 » . وأيا ما كان الأمر ، فلقد تقدم السحرة « 2 » واثقين من النصر ،
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي 24 / 133 - 134 ، تفسير البحر المحيط 4 / 361 ، تفسير القرطبي 11 / 214 ، في ظلال القرآن 3 / 1349 . ( 2 ) اضطرب الناقلون للأخبار في عدد السحرة اضطرابا متناقضا يعجب العاقل ، كما يقول أبو حيان ، من تسطيره في الكتب ، فمن قائل 12 ألف أو 17 ألف أو 30 ألف أو 80 ألف ، أو 70 ألف ، ألقوا 70 ألف عصا ، 70 ألف حبل ، على أن أغرب ما في الروايات أنهم كانوا 72 ساحرا ، اثنان من المصريين ، 70 من بني إسرائيل ، وقيل تسعمائة ، ثلاثمائة من الفرس ، وثلاثمائة من الروم ، وثلاثمائة من الإسكندرية ، وجاء في تفسير الطبري عن ابن عباس أن فرعون قال : لا نغالبه ( أي موسى ) إلا بمن هو منه ، فبعث بعلماء بني إسرائيل إلى الفرما يعلمونهم السحر ، لما يعلم الصبيان الكتاب في الكتاب ، فعلموهم سحرا كثيرا ، حتى قال كبيرهم أنه علمهم سحرا لا يطيقه أهل الأرض ، إلا أن يكون ، أمرا من السماء ، فإنهم لا طاقة لهم به ، فأما سحر أهل الأرض فإنه لن يغلبهم ( تفسير الطبري 13 / 25 ، تفسير البحر المحيط 4 / 360 ، 6 / 26 ، تفسير القرطبي 11 / 214 ، ابن كثير : مختصر التفسير 2 / 486 ، البداية والنهاية 1 / 254 ، تفسير الدر المنثور 3 / 106 ، تاريخ ابن الأثير 1 / 103 ، تفسير النسفي 3 / 57 ) وبدهي أن المبالغة واضحة من هذه الأعداد ، فما كان التنافس بينهم وبين موسى يحتاج إلى أعداد تصل إلى تسعمائة ألف ساحر ، وربما كان رقم 72 ساحرا ، مقبولا نوعا ما ، وأما الأماكن التي جاء منها السحرة كبلاد الفرس والروم والإسكندرية ، فليت الذين كتبوا ذلك يعلمون أن الإسكندرية أنشئت عام 332 ق . م ، وبعد هذه الأحداث بما يقرب من ألف عام ، وأن الفرس ظهروا عام 525 ق . م ، أي بعد هذه الأحداث بحوالي 700 عام ، والروم بعدها بما يقرب من اثنى عشر قرنا ، وأن الفرما أو العريش لم تكن من المراكز العلمية في مصر ، وأن مصر باتت تموج بالسحرة ، وقد بلغوا شأوا بعيدا فيه ، وما كانوا في حاجة لبني إسرائيل ، الذين ما كانوا يعرفون علما أو فنا أو صناعة ، غير -